التوصيات الصادرة عن ملتقى اللغة العربية التخصصي 2015

التصنيف: الأخبار

,

0

ملتقى اللّغة العربيّة التخصّصي- 22 آذار 2015 -  فندق رمادا- بيروت

اللّغة العربيّة في مدارسنا : خطوات نحو التنمية

التوصيات الصادرة عن أعمال الملتقى

_________________________________________________________________

 DSC_0581-----

    إيمانًا منّا بما يمليه علينا الانتماء الصادق للغتنا العربيّة، وانسجامًا مع العهد الذي قطعناه على أنفسنا، حين أعلنّا عن “ملتقى اللغة العربيّة التخصّصي“،  قرّرنا أن تخرج عنه توصيات تنطلق من مدرّسي اللغة العربيّة المشاركين من مختلف المدارس.

    وعقِب فاعليات الملتقى، وما تخلّله من ورشات عمل حيويّة، تجمّعت لدينا كمّية وافرة من التوصيات أدلى بها زملاؤنا المشاركون، ثمّ تدارسناها، ونظّمناها، وعقدنا اجتماعًا لاحقًا اقترحنا فيه المزيد من التوصيات، وقد تميّزت في الحالتين بالعَمَليّة والميدانيّة.

    وها هي التوصيات بحلّتها الأخيرة، وقد بوّبناها وفاقًا للجهة الّتي ينبغي أن نُتابِعها لإنجازها:

 

أوّلاً: على صعيد شبكة المؤسّسات التربويّة والملتقى:

  1. عقد اجتماعات دوريّة برعاية “الشبكة” لمديري المدارس المشاركة، متابعة لتوصيات الملتقى.
  2. تواصُل ” شبكة المؤسسات التربويّة ” الدائم مع الجمعيّات الرسميّة والأهليّة المتبنيّة لقضيّة اللغة العربيّة، كي تتكلّل الجهود بخطّة مشتركة، وأقنية متعدّدة للمباشرة في تنفيذها.
  3. السعي لدى “تلفزيون لبنان”، وقنوات أخرى، لإنشاء برنامج أسبوعيّ يعلِّم اللغة الوظيفيّة للجميع.
  4. تبنّي  ”ملتقى اللغة العربيّة التخصّصي”  لأقراص مدمّجة تحوي وسائل سمعيّة بصريّة متكاملة في تعليم اللغة العربيّة من الروضة إلى آخر سنة من سنوات التعليم المدرسيّ.
  5. التنسيق مع “تجمّع معلّمي اللغة العربيّة وآدابها في لبنان” الذي نشأ في تشرين الثاني 2014، والسعي إلى توسيع إطاره، والمشاركة فيه.
  6. التنسيق مع “الجامعة اللبنانيّة” وسائر الجامعات الّتي تدرّس مادّة اللغة العربيّة، ومادّة التربية، لتفعيل أصول منهجيّة فاعلة في تدريس هذه اللغة.

         وأهمّ ما فيها أمران:

-       الأول استيفاء كلّ مفردات النحو والصرف في سنوات الإجازة.

-       والثاني أن تُدرَج مادّة أصول التعليم في كلّ عام جامعي، وأن يكون جزء منها قائمًا على التدرُّب الميداني في قاعات التدريس.

  1. تكثيف “ملتقى اللغة العربية التخصّصي”  لـدروس نحويّة تخصُّصيّة وظيفيّة ينتسب إليها كلّ معلّمي اللغة العربيّة بشكل دوريّ، على امتداد لبنان.
  2. تكثيف “ملتقى اللغة العربية التخصّصي ” لـدورات تربويّة تـتَّسم بالحوار، ويُتاح فيها للمعلِّمين أن يطرحوا هواجسهم ومشاكلهم بشفافيّة ، ليكون الأداء التعليميّ غير منفصل عن الواقع.
  3. إنشاء موقع في الشابكة لمعلّمي اللغة العربيّة في لبنان، يزوّدهم بالثقافة اللغويّة الدائمة، ويقدّم إليهم كلّ التسهيلات، ويوفِّر لهم التواصل بالبريد الإلكترونيّ للاستفسار عن القضايا المستجدّة أمامهم في قاعات التدريس.
  4. إنشاء لجنة علميّة لغويّة وأدبيّة لوضع تصوّر متكامل وتفصيليّ لمنهاج بديل من المنهاج المعتمَد حاليًّا في المركز التربويّ، حتّى يُقدَّم إليه بصفة رسميّة.

ثانياً : على صعيد إدارة المدرسة:

  1. عدم قبول أيّ مدرّس لتعليم اللغة العربيّة إلاّ إذا كان حائزاً الإجازة التعليميّة في اللغة العربيّة وآدابِها من إحدى الجامعات.
  2. إلزام المعلّمين الراغبين في تعليم اللغة العربيّة الحصول على شهادة الكفاءة في التربية والتعليم لتسلّحه بالمهارات والأساليب والتقنيّات الضروريّة لإيصال المادّة إلى طلابه، أو إخضاعهم لدورات تدريبيّة قبل ممارسة التعليم وحضور حصص فصل كامل عند معلّمين آخرين.
  3. أن يكون حبّ اللغة العربيّة عند المعلّم، شرطاً من شروط قبوله لتعليم المادّة، لا أن يكون مُكرهاً على تعلّمها ومدفوعاً إلى تعليمها دفعاً.
  4. مراجعة القوانين الخاصّة بمعلّمي اللّغة العربيّة، وإنصافه باعتباره معلّماً لأكثر من مادّة (قراءة، استظهار، تحليل، تعبير، إملاء، بلاغة، عروض، أدب، قواعد) واحتساب مرتّبه على هذا الأساس، كذلك يجب مراعاة نصاب ساعاته، إذ إنّه يحضّر دروساً متعدّدة في المادّة غير درس، ويُعدّ ويصحّح اختبارات كثيرة.
  5. عدم إرغام الإدارات معلّمي المواد الأخرى على تعليم اللّغة العربيّة لملء شواغر، أو إكمال عدد الحصص، أو لغياب معلّم اللغة العربيّة الأصيل، أو لأيّ سبب آخر.
  6. زيادة عدد حصص اللغة العربيّة، وعدم مساواتها بعدد حصص اللغة الأجنبيّة، لأنّ لغتنا أولى بالعناية، ولأنّ العلوم والرياضيات في الغالب تُتلقَّى بالأجنبية، فلا بدّ من إعادة التوازن.
  7. تحفيز المتعلّم على التفوّق بمكافآت معنويّة أو مادّيّة، مع إرسال بطاقة تقدير تصل إلى أهله.
  8. تثبيت حصّة خطّ في كلّ مراحل التعليم، يتولّاها مدرّس متمرّس في مهارة الخطّ.

   ثالثًا : على صعيد المنسّق والمعلّم والمنهج:

أ‌-                في ما يتعلّق بأخلاق المعلّم وسلوكه وتطوير أدائه:

1-              تبادل الخبرات مع زملائه في العمل من خلال حضور متبادل في أثناء الشرح.

2-              التودّد إلى الطلاب من خلال البسمة، والكلمة الطيبة، والهدية الرمزيّة وإحداث الألفة بين معلّم اللغة العربيّة والمتعلّمين، لكسر الجدار النفسيّ المضروب بينهم وبين هذه اللغة.

3-              حبّ الطلاب وإخبارهم بذلك.

4-              تفهّم ظروفهم الاجتماعيّة ومراعاتها.

5-              العدل في التعامل مع الطلاب ومراعاة الفروق الفرديّة التعليميّة بينهم.

6-              مشاركة الطلاب الرحلات المدرسيّة، والاحتفالات، والمعارض…

7-              مشاركة الطلاب بعض المناسبات الاجتماعيّة.

8-              زيارة الطلاب في بيوتهم إن لزم الأمر.

9-              التدرّج في العقوبة من دون أن تصل إلى الأذى النفسيّ أو الجسديّ.

10-         اعتناء المعلّم بمظهره الخارجيّ اللائق برسالة التعليم.

11-       متابعة سلسلة دورات تنمّي مهاراته وتزيد من خبرته وكفاءته، شريطة أن تكون هذه الدورات منهجيّة بحيث تغطّي كلّ احتياجات المعلّم من مهارات.

12-         الاستمرار في التحصيل العلميّ والتغذية المستدامة.

ب‌-           النشاطات والتدريبات اللّغويّة:

1-              إنشاء مجموعات تشترك في توسيع المواضيع في قاعة التدريس على أن يدوّن كلّ متعلّم جملة، ويذكر اسمه بعدها.

2-              إنشاء إذاعة مدرسيّة يعبّر فيها المتعلّمون بالتناوب عن آرائهم وأفكارهم باللغة الفصيحة.

3-              مناظرة المتعلّمين مجتمعين لمعلّمهم في قضيّة يختارونها.

4-              حثّ المتعلّمين على دبلجة فصيحة لمقاطع من أفلام سبقت دبلجتها باللهجة العاميّة.

5-              تحويل الإعلانات، التي يحبّها المتعلّمون، إلى إعلانات فصيحة.

6-              إقامة ندوات صفّيّة يتحدّث فيها متعلّمان عَلِمَا مُسْبَقًا بمادّة الندوة، ويديرها آخر، ويقوم الباقون بطرح الأسئلة والتعقيب، وكلذلك باللغة الفصيحة.

7-              تسجيل المتعلِّمين لمقابلات باللغة الفصيحة أجروها مع شعراء، أو أساتذة جامعيين، وعرضها في قاعات التدريس.

8-              تخصيص جزء من الوقت في الأسبوع يلخّص فيها المتعلِّم فيلمًا شاهده.

9-              مشاهدة مباراة رياضيّة يُحجَب فيها الصوت، ويطالَبُ المتعلِّمون بالتعليق عليها مستخدمين لغة فصيحة.

10-         إطلاق نشرة أخبار عن أحداث المدرسة، يقوم بإذاعتها باللغة الفصيحة بعض المتعلِّمين أسبوعيًّا.

11-         تأدية المتعلِّم لأدوار تمثيليّة يكون فيها طبيبًا أو محاميًا أو مهندسًا، ويتحدّث باللغة الفصيحة السليمة.

12-         تنمية النشاطات غير الصفيّة الناطقة بالعربيّة : المسرح- فرق الإنشاد- الخطابة- إلقاء الشعر- المبارزة الشعرية (سوق عكاظ)- الإذاعة المدرسيّة- الكتابة في مجلّة المدرسة، إدخال الأسلوب الغنائيّ في حفظ المتون والقواعد.

13-         إقامة مناظرات علميّة وأدبيّة تهمّ المتعلّم وترتبط بحياته في المرحلة الثانويّة ولا سيّما في الموضوعات المتعلّقة بالإنسان والعلم أو استشراف المستقبل.

14-         تعزيز دور المسرح والمنبر في العمليّة التعليميَّة وتخصيص حصّة للتدريبات الشفويّة والاجتهاد في جعلها ممتعة ومجدية في الحلقة الثالثة والمرحلة الثانويّة.

ج‌-             في ما يتعلّق بمنهج اللّغة العربيّة:

1-              إقناع الطلاب بأهمّيّة اللغة العربيّة، لغة القرآن والدين، لغة الهُويّة والانتماء، لغة التاريخ والحضارة، وإظهار بعض مميّزاتها وخصائصها كالاشتقاق والتعريب و علم البلاغة بأنواعه…

2-              تعليم اللغة تعليماً قائماً على تنمية المهارات اللّغويّة الأربع (الاستماع والتكلّم والقراءة والكتابة) وتعزيزها.

3-              تدريس نصوص شعريّة ونثريّة تعالج قضايا اللّغة من حيث ارتباطها بالتاريخ والحضارة والفكر والانتماء والهويّة والقرآن، تحديداً في الحلقة الثالثة والمرحلة الثانويّة.

4-              إضافة محور “من أعلام العربيّة” في الصفّ الثانويّ الثاني يعرّف المتعلّم إلى أعلام الأدب واللّغة الذين خدموا العربيّة بعلمهم وأدبهم ( المتنبّي، الجاحظ، الإمام الشافعيّ، الخليل بن أحمد…).

5-              اختيار أمثلة من القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة والتراث الشعري والنثري الغنيّ، في تدريس البلاغة العربيّة تعزّز ارتباط المتعلّم بالنصّ القرآني والأحاديث الشريفة والتراث وتهذّب ذوقه الفنيّ، ولا سيّما في الصفّين الثانويين الأوّل والثاني.

6-              الابتعاد عن تدريس اللّغة وآدابها تدريساً نظريّاً والاهتمام بالتدريبات اللّغويّة التي من شأنها أن تُثري مخزون الطالب اللّغويّ، وأن تُمكّنه من استعمال اللغة والتعبير بأساليبها المختلفة من خلال إعادة صياغة النصوص بالزيادة والتوسيع والتلخيص والمحاكاة وغير ذلك من الوسائل…

7-              تبسيط اللغة العربيّة وتقديمها بصورة سلسة، وعدم الإجحاف في توزيع العلامات، وخاصّة في التعبير الكتابي الخالي من الأخطاء.

8-              استعمال وسائل تعليميّةٍ جديدةٍ تحاكي الزمان والمكان والمناسبات والمستجدّات.

9-               اعتماد منهج العمل الفريقيّ، البحث العلميّ، مشاركة الطلاب في تقديم الدروس وعرضها.

10-         رفع حظّ المتعلّم من العلامة القصوى في موادّ العربية، فالمجيد في القراءة ينال 10 من 10، والمجيد في الإنشاء دون أخطاء ينال 20 من 20.

11-         التركيز على المنهج التكوينيّ في تدريس اللغة العربيّة.

12-         اختيار مواضيع الإنشاء التي تلتصق بواقع المتعلّم وتتميّز بالحيويّة والميدانيّة.

13-         إدراج نصوص عربيّة تحتوي على مصطلحات علميّة في مادتي القراءة والتحليل من مجلّة العربيّ العلمي…

14-         إدراج نصوص عربيّة تحتوي على ثناء الأعلام الغربيين على اللغة العربيّة، أو على إحصاءات تبيّن سبقها سائر اللغات.

15-         تدريب المعلِّمين على مهارات الخطّ الرقعي.

16-         التكرار على مسامع المتعلِّمين ما يشجّعهم على التخصّص في اللغة العربيّة ومجالاتها  : كالترجمة-  الدبلجة الإعلام – الإعلان- التقديم-  الإذاعة-  التدقيق اللغويّ-  الكتابة في الصحف الثقافيّة…

وإلى الملتقى القادم إن شاء الله تعالى.

كلمات السادة المحاضرين

 

كلمة ضيف الشرف: أ.د. محمد رفيق أبو علي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الحفل الكريم،

من المعروف بداهةً أن للغة غير وظفة. بيد أن أبرزها وظيفتان اثنتان: الانتماء والتعبير.

والانتماء له بعدان: بعد قومي وبعد ديني.

ففي البعد القومي، ننظر إلى اللغة لا بوصفها صرفاً ونحواً ونصوصاً أدبية فحسب، بل بوصفها مرآة لتاريخ مشترك وذاكرة لحضارة ناصعة ولساناً يلهج بما تختزنه هذه الحضارة من مآثر. وفي البعد الديني نحن نرى أن هذه اللغة التي نعاينها هي عينها اللسان العربي المبين الذي اتخذه تعالى منبراً إعجازياً له. وفي الحالين فإن الخطابات الرنانة مهما كانت درجة عاطفتها، لا تفي بالحاجة ولا تقيم أوداً لجائع. بل لا بد من منهج تربوي علمي من خلاله نعبر إلى هذه اللغة الشريفة بغية أن نستنبط منها ما تجود به علينا.

لدي بعض الملاحظات  من خبرتي المتواضعة في هذا المجال:

أولا: اتمنى على الزملاء كافة السعي إلى إزالة كذبة كبرى من الأذهان، أعني بها صعوبة اللغة العربية. كثيرون يبالغون وكأنهم يريدون الإشارة إلى أنهم مع صعوبتها فهم أبناء بجدتها. أما أنا فأقول، اللغة العربية يا سادة  من أسهل اللغات ومن اجملها. مثلها كمثل غادة طاهرة نقية لا تقبل ممن يدعي حبها إلا الإخلاص ونحن حينما نخلص للغة تخلص لنا وتفتح مغاليقها أمامنا.

وفي هذ االسياق أيضا أدعو الأحبة جميعاً،  إلى عدم الخوف مما يشاع عن شيوع الألفاظ الأجنبية وعن خوفنا من أن تهيمن على اللغة. ولنا في القرآن الكريم أسوة. ففي القرن يا سادة ألفاظ من أصول أعجمية ولكنها أصبحت  عربية حينما قبلت نواميس هذه اللغة وأصبحت تابعة لقوانينها. ونحن ينبغي لنا أن نستوعب كل الالفاظ الحضارية، يساعدنا على ذلك طبيعة اللغة الاشتقاقية، فلغتنا خلقت للحياة والاشتقاق فيها منهل ثر لا ينضب.

أيضاً أقول للأحبة لا تخافوا المغامرة. أدخلوا الحداثة إلى الرؤية التعليمية شريطة أن تكون متساوقة مع الأصالة الكامنة فينا وفي تراثنا.

أحبتي لا تصدقوا كثيراً كلاماً يقال عند بعض الحداثيين عن ضرورة إغفال الذاكرة. فالذاكرة هي في تراثنا من حملت لنا ذخائرنا شريطة أن لا نبقيها في سياق آلي محض، بل أن نعبر منها إلى التمثل عبر ما أسميه بالمحاكاة الإبداعية. كل ذلك أحبتي، ينبغي له أن يقودنا إلى حسن تفاعل  تشاركي بين المعلم والمتعلم والنص الذي، أي هذا التفاعل، هو البوصلة التي تحدد وجهة السير التربوية. أيضا أوصي باعتماد منهج الكفايات من خلال تفاعل المهارات المركبة التي تفضي إلى منهج تكاملي تام.

وأقول للأحبة، تجنبوا الصف الكئيب. فالصف الكئيب لا ينتج سوى معرفة كئيبة. ولا تسارعوا إلى الإملاء بل إلى فهم يمليه توثيق الطالب فكرته. فكل ما نسارع إلى تدوينه سنسارع إلى نسيانه في أول محطة نتوهم أننا لم نعد محتاجين إلى هذه المعلومة أو تلك.

أيضاً إعتمدوا منهج وحدة اللغة ليصبح النص حقل استثمار للأبعاد الأدبية واللغوية والبلاغية كافة. لا تشيئوا اللغة. لا تنظروا إليها نظرة جافة. أسبغوا عليها جمالية ما، مثلها كمثل الغادة الطيبة الطاهرة. أجمل مرأة في التاريخ، لو أدخلتها مختبر العقل المجرد، لرأيت فيها شيئاً من الحديد يصنع مسماراً وشيئاً من الفوسفور يصنع عود ثقاب، لكنك لو ادخلتها أفق شاعر أو فنان، لوجدتها غيمة لطف تهطل على جنبات القلب فيخضوضر فيه النبض ويزهر. هكذا ينبغي أن ننظر إلى اللغة. الحب هو الذي يعيننا مزداناً بالمعرفة لنحل مشاكلنا وشكراً.

المحور الأول: معلّم اللغة العربيّة : الواقع والمرتجى

المحاضر: الأستاذ أبو بكر الذهبي

الحمد لله الذي شرّفنا بالعقل، وأكرمنا بالعلم، واصطفانا لخدمته ونشره وتعليمه.

والصلاة والسلام على المعلّم الأوّل والمعلّم الأمثل والمعلّم الأكمل من قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم إنّما بعثت معلّمًا وميسّراً.

أيّها الحضور الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

        إنّ مهنة التعليم مهنة شريفة تحتاج إلى شرفاء يحملونها، يستشعرون المسؤوليّة تجاه ما يقومون به، لأنّهم سيسألون أمام الله عز وجل عن الأمانة التي بين أيديهم فـ”كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته”، ومَنْ أشرفُ من المعلّم لحمل هذه الأمانة؟!

إنّ للمعلم دوراً عظيماً في العمليّة التعليميّة القائمة على مثلثٍ هو رأس الهرم فيه، المثلّث القائم على المعلّم والمنهج والمتعلّم، هو المحرّك لجميع عناصرها المختلفة، والمسؤول عن إدارة حرفة التعليم على أسس علميّة راقية، هو العامل المؤثّر فيها والمطوّر لوظيفتها، إنّه يعمل كوسيط تربوي يقوم بدور المهيّئ للظروف البيئيّة، المبسّط للصعوبات التعلّميّة، المذلّل للعقبات التعليميّة، يساعد المتعلّم للوصول إلى حالة المعرفة والثقافة، هو الجسر الذي ينحني بقامته الفارعة وبطاقاته الكبيرة ليربط المتعلّم بالعلوم عبر منهجيّة يحترفها.

إنّ المعلّم هو من تُلقى عليه مسؤولية وضع الأهداف المختلفة (المعرفيّة، السلوكيّة، الوجدانيّة) لكلّ مادّة تعليمية، ويُسهم في ترسيخ القيم والعادات والمبادئ، ويسعى إلى اختيار الخبرات واستراتيجيات التدريس المناسبة لتحقيق الأهداف الموضوعة.

وفي فضل المعلّم قيل الكثير: فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم :” إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء“.

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :

» إنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ«.

ويضيف سفيان الثوري :” لا أعلم من العبادة شيئاً أفضل من أن تُعلِّمَ الناسَ العلم “.

والمعلّم هو من يوقد شعلة التفكير والإبداع في عقول المتعلّمين وعن ذلك يقول اينشتاين : ” من أسمى الأشياء عندما يقوم المعلّم بإيقاظ بهجة التعبير الخلاّق والمعرفة “.

العلامة يوسف القرضاوي يقول :” إنّ المعلّم هو العمود الفقريّ في عمليّة التربية، وهو الذي ينفخ فيها الروح، ويجري في عروقها دم الحياة، مع أنّنا نجد في مجال التعليم والتربية عوامل شتى ومؤثّرات أخرى كثيرة : من المنهج إلى الكتاب إلى الإدارة إلى الجوّ المدرسيّ إلى التوجيه، وكلُّها تشارك في التأثير بنسب متفاوتة ولكن يظلّ المعلّم هو العصب الحيّ لعمليّة التعليم”.

ورحم الله من قال:

لــولا المعلّمُ ما قرأتُ كتابـــاً …. يومًا ولا كتبَ الحروفَ يراعي

فبفضلِهِ جُزتُ الفضاءَ محُلِّقًا …. وبعلمِهِ شقَّ الظلامَ شُعاعي

وكما أنّ العلم والتربيّة صنوان، فإنّ المعلّم والأخلاق لا يفترقان، ولعلّ العدّة الأولى التي يجب أن يتسلّح بها المعلّم قبل المعلومات هي عدّة الأخلاق، وإلى ذلك وجّهنا القرآن الكريم فقد قال الله تعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) البقرة. وهذه دعوة نبيّ الله إبراهيم وولده إسماعيل لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم يطلبان من الله تعالى أن ييسر لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن يتلوَ على أمّته القرآن ويعلّمَهُم القرآن والسنة وبعد ذلك أن يزكّيَهم، أيّ يطهّرَ نفوسهم ويصقلَ أخلاقهم، لكنّ الردّ من الله تعالى جاء بثلاث آيات تخالف هذا الترتيب فقال تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) البقرة.

ويقول تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران.

ويقول تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَاْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) الجمعة.  فهذه الآيات تظهر أنّ التزكية وتقويم الأخلاق أن يكونا قبل نشر العلم وتعليمه.

والمعلّم هو ذلك الطبيب الحاذق الذي يعرف كيف يصف العلاج وكيف يجري العمليّات، فعنه قال سقراط : ” ينبغي للعالم أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب للمريض “.

وفي هذا المقام نحن لا نتحدّث عن أيّ معلّم إنّما نتكلّم على معلّم أهمّ مادة وأعظم لغة، إنّنا نتكلّم على معلّم اللغة العربيّة ذي المسؤوليات الجسام والصعوبات العظام.
وقد ثبت أنّ التفوّق في اللغة الأمّ، يؤدّي إلى تفوّق في الموادّ الدراسيّة الأخرى، وإنّ ضُعفَ التعليم اللغويّ له خطورته على مستقبل الطالب التعليميّ، نظراً لأنّ اللغة هي أداة تحصيل المعارف والثقافات، وأداة التعبير عنها تعبيراً صحيحاً، فكيف إذا كانت اللغة العربيّة؟؟؟

ولكن ماذا عن واقع معلّمي اللغة العربيّة اليوم؟؟؟

واقع معلّم اللغة العريبّة اليوم

سوف أعمد في هذا القسم من البحث إلى تقسيمه لعدة حيثيات:

1-            من حيث التخصّصُ والخبرة

معلّم اللغة العربيّة اليوم من حيث التخصّص والخبرة التعليميّة هو أحد معلّمين:

    -  معلّمٌ متخصّص نال إجازة تعليميّة في اللغة العربيّة وآدابِها من إحدى الجامعات المرموقة.

  1. ومعلّم نال إجازة تعليميّة في اللغة العربيّة وآدابها من جامعة تجاريّة، أو أنّه حائز على إجازة جامعيّة في مجال آخر، أو أنّه لم ينل شهادة جامعيّة أصلاً.

والمعلّم الأوّل الذي نال إجازة تعليميّة في اللغة العربيّة هو أحد معلّمين:

  1.  معلّم نال شهادة الكفاءة في التربية والتعليم والتي تسلّحه بالمهارات والأساليب والتقنيّات الضروريّة لإيصال المادّة التي يتقنها إلى طلابه.
  2. ومعلّم لم ينل شهادة الكفاءة في التربية والتعليم، فهو أعزل من المهارات والأساليب والتقنيّات  الضروريّة لإيصال المادّة التي يتقنها إلى طلابه.

أمّا المعلّم الثاني فهو لا يملك المادة العلميّة الأساسيّة أصلاً ولا يملك كذلك المهارات والأساليب والتقنيات الضروريّة لإيصالها إلى الطلاب.

أمام هذا الواقع المرير نجد أنفسنا في دوامة مخيفة، إذ إنّ أكثر من نالوا الإجازة التعليميّة في اللغة العربيّة لم ينالوا شهادة الكفاءة التي تسمح لهم بالتعليم الجادّ والنافع المثمر. وفي المقابل نجد فئة أخرى لا تملك المادّة العلميّة أُرغمت من قبل إداراتها على تعليم اللغة العربيّة لملء شواغر، أو إكمال عدد الحصص، أو لأسباب أخرى.

وقد يَتغيّب معلّم اللغة العربيّة لعذر من الأعذار عن المدرسة لوقت طال أو قصر، فتعمد الإدارة لإسناد مهمّة تدريس اللغة العربيّة لآخر لا علاقة له باللغة من قريب أو بعيد.

2-            من حيث الحبُّ والانتماءُ إلى اللغة العربيّة

      في عالم تعليم اللغة العربيّة، المعلّمون من حيث حبُّهُم للغة وانتماؤُهم إليها فريقان:

  1. فريق درس اللغة العربيّة وتخصّص فيها وغرف من آدابها ودرّسها لأنّه أحبّها وعشقها، لأنّه وجد نفسه بين قصائدها وسمع خلجات قلبه في جرسها وإيقاعها، لأنّه عاش مشاعرها وافتتن في بلاغتها وسحر في  بيانها.
  2. وفريق درس اللغة العربيّة وراح يدرّسها لأنّه لم يحظ بقبولٍ في تخصّص آخر، أو لأنّه غير قادر على حضور المحاضرات والتردّد إلى الجامعة فانتسب إلى كلّيّة الآداب انتساباً، أو لأنّه غير قادر على دفع تكاليف باهظة في تخصّص آخر، فهو مُكرهٌ على تعلّمها مدفوع إليها دفعاً.

النتيجة أنّنا أمام عدد كبير لا يُستهان به من معلّمي اللغة العربيّة الذين أكرهوا على دراستها وبالتي على تدريسها فكيف يعطيون بحبّ ما لا يحبّون؟

3-            من حيث المهارات

نجد أنّ الكثير من معلّمي اللغة العربيّة زاهدون في الارتقاء بأنفسهم وتطوير ذواتهم وزيادة كفاءاتهم، فتراهم قانعين بواقعهم، مستكنين لحالهم، لا رغبة لديهم في الخروج من الدائرة الضيّقة التي دخلوها ربما من عشرات السنين، وتراهم ينكفئون عن المشاركة في دورات تأهيليّة أو دورات تنموية أو حتى تثقيفيّة وإذا ما أكرهوا على المشاركة في إحداها ترى أعينهم تفيض من الدمع!!!

أكثر من ذلك، فقد تجد البعض منهم لا يتقن استعمال الحاسوب ولا يستطيع تسخير هذه الآلة – التي باتت لازمة من لوازم المعرفة – في خدمة اللغة وتعليمها.

كما أنّه غير معني في ابتكار أنشطةٍ ووسائلَ تعليميّةٍ جديدةٍ تحاكي الزمان والمكان والمناسبات والمستجدّات، ويَرضى بالعمل الروتينيّ والأسلوب التقليديّ الذي درجَ عليه ونشأ، هو وأبوه وربّما جدُّه كذلك.

وإذا ما قُدّمت إليه هذه الأنشطة وهذه الوسائل على طبقٍ من فضّة، تراه يتهرّب من استعمالها ويتجاهل الاستفادة منها، وكأنّما أكره على ذنب أو معصية!!

4-            من حيث الضرورةُ والاختيار

من الواقع المؤلم في التعليم عامّة وتعليم اللغة العربيّة خاصّة أن نجد بعض المعلّمين يعلّمون هذه اللغة مكرهين غير مختارين، فقد أضنَتْهُم هذه المهنة وأتعبَتْهم، وأشغلتْهم متاعب الحياة وأرهقتهم، وكَثُرَتْ همومُهم ومسؤوليّاتُهم، وأصبحوا عاجزين عن القيام بمتطلّباتِها كما يجب، لكنّهم لا يستطيعون تركها ولا الانسحاب منها خوف ضياع تعويضهم الماديّ وخسارة المعاش التقاعديّ، فتراهم يناطحون الطلاب ويناطحونهم ويقومون بالتدريس من دون دافع أو رغبة أو حبّ، ويعدّون مع طلابههم السنين والأيام والساعات والدقائق لينطقوا أمامهم بلفظ الطلاق البائن بينونة كبرى.

5-            من حيث القوانين

     يقع معلّم اللغة العربيّة اليوم تحت ضغط القوانين التي لم تنصفْه، فهو أستاذ لأكثر من مادّة تحت مسمّى مادّة واحدة شأنُه في ذلك شأنُ معلّمي اللغات، ففي حين أنّ معلّمي المواد الأخرى يشرحون مادّة واحدة محدّدة، ويضعون أسئلةَ مادّةٍ واحدة محدّدة، ويصحّحون اختباراتِ مادّة واحدة، فإنّ معلّم اللغة العربيّة في الحلقة الثالثة مثلاً يحضّر خمسَ مواد، ويضع أسئلة لها ويصحّحُها، فهو يُدّرس القراءة والاستظهار والإملاء والقواعد والتحليل والتعبير. وفي المرحلة الثانوية يدرّس الأدب والقواعد والبلاغة والعروض.

وفي المقابل، قد يكتشف منسّق اللغة ضَعفاً عند أحد المعلّمين ويتأكّد من عدمِ صلاحيّته للقيام بالمهام الموكلةِ إليه، لكنّ الإدارة تقف عاجزةً عن صرفِه والاستغناءِ عن خدماتِه بحجّةِ أنه سيكلّفُها مبالغَ ماليّةً كبيرة مقابل صرفه من الخدمة  كتعويض، وهنا علينا أن نتحمّل المآسي والمصائب والويلات نتيجة وجود مثل هذه العناصر ممّا يؤثر على مستوى اللغة عند الطلاب وعلى تفاعلهم معها.

6-            من حيث علاقته بطلابه

         معلّم اللغة العربيّة اليوم يصطدم بحاجز اللامبالاة عند أكثر طلابه، فقد اعتاد الطلاب أن يسمعوا من ذويهم، أنّ اللغة العربية سهلة، وأنّها لا تُدرس، وأنّك مهما درست فلن تتحصّل على علامة مرتفعة، فلا تضيّعْ وقتك في ما لايعود عليك بالنفع، اغتنمْ  هذا الوقت بدراسة الرياضيات مثلاً.

فيصاب المعلّم بالإحباط من عدم تجاوب طلابه معه ومن تقصيرهم في مادّته، فيعمد إلى معاقبتهم، وغالباً ما يكون العقاب انتقاميّاً لا وظيفة تربوية علميّة له ولا فائدة مرجوّة منه، إنما يصحّ في ذلك القول : اتّسع الخرق على الراقع.

تجربة معلمة

تحت شعار:  ” الحكمة ضالة المؤمن ” و ” الفكرة بنت من يتبنّاها ” أنقل إلى مسامعكم تجربةَ معلّمةٍ علّنا نستفيدُ من خبرتها.

       إذا سألت نفسك أو أيّ طالب عن أهمّ شيء طبع مسيرتكَ التعليميّة أو أثّر على مستوى تحصيلك الدراسيّ، فتأكّد أنّ أغلب الآراء لن تذكر لك كتابًا أو محاضرة معيّنة أو حتّى فيلمًا سينمائيًّا ..بل إنّك حتماً ستسمع اسم معلّم أو معلّمة، مربٍّ أو مربية. وهذا طبيعيّ لأنّ الطبيعة البشريّة تحتاج إلى قدوة ومصدر إلهام خصوصًا في المراحل الأولى من العمر .

    فهّلا سألتَ نفسك عن مدى نجاحِك في تأدية واجبك كمدرّس ناجحٍ ترك في نفوس طلابه أثراً؟

تروي المعلّمة الأمريكية إليزابيث بريك من تجربتها الشخصية، أنّها دّرست اللغة الإنجليزية في إحدى المدارس فور استلامها عملها في الصفّ الثاني المتوسط، وقد شعرت بالغضب من طلابها، لأنّهم يفعلون ما يشاؤون، ولا يهتمّون بها ولا برأيها، وتكوّنت لديها قناعة متسرّعة، بأنّ السبب في فشل الحصص، أنّها أمام مجموعة من الطلاب الفاشلين، واستخدمت كلّ الطرق الممكنة: تضرّعت إلى الطلاب حتى يهدؤوا وينُصتوا ، ثمّ لجأت إلى التهديد، ثمّ إلى العقاب، ثمّ استعانت بإدارة المدرسة، ثمّ استدعت وليّ الأمر، ولكن، كلُّ هذه المحاولات باءت بالفشل.

وبعد أن راجعت المعلّمة نفسها، تبيّن لها أنّها هي المخطئة، لأنّهالم توضّح لطلابها من البداية ماذا تريد منهم، ولم تضع لهم قواعد التعامل، الأمر الذي جعلها تفقد السيطرة تدريجيًا على الصفّ، حتى أصبح الطلاب أصحاب الكلمة، يفعلون ما يريدون.

     عندها قرّرت أن تعترف بالخطأ أمام نفسها، وأن تعتذر لطلابها على عدم توضيح أسس التعامل بينهم منذ البداية، ثمّ طلبت منهم القيام بتجربة على القواعد التي بيّنتها لهم، بحيث يفهم الطلاب جيدًا، المقصودَ منها، ووضّحت لهم ذلك بودّ مقرون بحزم، وأخبرتهم أنّها ستقوم بتطبيق هذه القواعد، بمنتهى الصرامة، لأنّ أي تراجع عن تطبيقها، سيؤدي إلى فقدان المصداقيّة وتضييع الأمانة.

      وتوضّح السيدة بريكس بعد التجربة أنّ اندفاعَ الكثير من المعلّمين للتدريس، واعتقادَهم بأنّه ليس هناك أيُّ وقت لتضييعه في أيّ أمور خارجة عن الدرس، يجعلهم ينسون أن يضعوا هذه الأسس الضروريّة للعلاقة بين الطرفين، خاصّة أنّ كلّ معلّم له تصورات مختلفة، لتعامله مع طلابه.

      واستنتجت أنّ «الكراهية» عند الأطفال، مصطلح يعني «الخوف»، فالطالب الذي لا يحبّ التربية الرياضيّة، يقول إنّه يكره هذه المادّة، والحقيقة أنّه يخاف ألا يحقّق فيها النتائج المرجوّة.

      ولعلّ بعضنا يذكر كراهية الكثيرين من طلابنا لمادّة اللغة، والحقيقة أنّ المعلّمين هم من فشل في جعلهم يحبّون هذه المادة. يجب أن نقتنع ويقتنع الطلاب أنّ المادة العلميّة التي ندرّسها ليست صعبة، وبالتالي سيشعرون بحبّ هذه المادّة ولن يخافوا منها.

        وتنبّه بريكس إلى أنّ المعلومات موجودة في كلّ مكان، في الكتب المدرسية، في الإنترنت، في المكتبات، لكن المعلّم وحده، هو القادر على أن يجعل هذه المعلومات تنبض بالحياة، حين يربطها بحياة الطالب. وإذا أدرك المعلّم ذلك، استطاع التخلّص من الملل في صفّه، لأنّ الطلاب سيحبّون المشاركة في الدرس، وفي نهاية اليوم، يحقّ للمعلّم أن يشعر بالفخر، لأنّ طلابه تعلّموا منه الكثير من المعلومات، ليس بغرض الإجابة عن الاختبارات فحسب، بل تعلّموا لحياتهم كلّها.

    وتخلص إلى أنّ الواقع التعليمي يبدو أنّه لا يتطور من خلال الأجهزة الحديثة وحدها، وأن ملايين الدولارات ليست قادرة وحدها على تحويل مدارسنا إلى مدارس نموذجيّة، بل يحتاج الأمر إلى إعادة النظر من وقت لآخر فيما يقوم به المعلّم، وتقييمِ نتائجِهِ، وعدمِ الإصرار على الاستمرار في السير في طريق، أثبتتِ التجربةُ فشلَه.

نظريّات في العملية التعليميّة

انطلاقاً ممّا سبق يمكننا أن نصل إلى نظريّات في العمليّة التعليميّة أهمّها:

- أنّ التدريس هو أكثر الأعمال مشقّة، ولكنّه في الوقت نفسه أكثرها تأثيراً وتغييراً.

- أنّ مهام معلّم اللغة العربيّة أكبر بكثير من الوصف الوظيفيّ للمهنة.

- يحتاج الطلاب إلى قواعد واضحة وتوجيه دائم ومستمرّ، كما يحتاجون إلى معلّمين يعرفون ما يريدون القيام به، ويقدرون على تنفيذ إرادتهم.

- يكره الطلاب الشعور بأنّ معلّم اللغة الذي أمامهم شخص تقليديّ ضعيف.

- الطلاب قادرون على اكتشافِ كلّ نقطة ضعف في المعلّم، واستغلالِها.

- يحتاج الطلاب إلى بيئة تعليمية خالية من التوتر، يسود فيها الوُدّ، لها هياكل واضحة المعالم، تساعدهم على النمو الصحيّ.

-  غالبية المشكلات التي تقع في الصفّ، تنجم عن أخطاء قليلة، يقع فيها الكثير من المعلّمين.

- عندما يشعر الطلاب بالانتصار على معلّم اللغة، تُصاب اللغة العربيّة بالهزيمة.

- نجاح الطلاب في تعلّم اللغة العربيّة يرتبط بقدرات المعلم وكفاءاته وحسن تأهيله.

   – عندما يفقد معلّمُ اللغة العربيّة التحكّم في نفسه وأعصابه وردّات فعله، يفقد التحكّم في الصف والتأثير في طلابه.

   – لا تعارض على الإطلاق بين الرحمة والحزم.

   – أن يكون المعلّم محبوباً لا يعني أن يفرّط بشخصيته وهيبته.

  – الطلاب يسعون دومًا لجرّ المعلّم إلى حلبة الصراع والمعلّم الفذّ هو الذي يبقى خارجها.

  -  المعلّم المتردّد في قراراته، المتقلّبُ المزاجِ تضيع هيبتُه بين طلابه.

  -  الثواب والعقاب سلاحان ماضيان يحتاجهما المعلّم في عمله.

  – ينبغي ألا تؤدي شفقةُ المعلّم ورحمتُه إلى فقدان مصداقيّته أمام طلابه.

  – يجب أن يربط معلّمُ اللغة العربيّة بين المحتوى الدراسيّ وبين الحياة اليوميّة للطالب.

من الأخطاء التي يقع فيها بعض معلّمي اللغة العربيّة

   من أكثر الأخطاء التي يقع فيها معلّمو اللغة العربيّة، الاعتقادُ بأنّ الطلاب يعرفون ما يريدونه منهم، ويتصوّرون أنّههم ليس بحاجة إلى شرح الكثير من الأمور، لأنّها حسب رأيهم «بديهيّة»، وأنّ الطلاب في هذه المرحلة العمريّة لابدّ أن يكونوا قد تعلّموا هذه الأمور.

- عدم ربط اللغة العربيّة بالواقع والقضايا التي يعيشها الطلاب.

- عدم ربط اللغة العربيّة بالتراث الذاخر.

- اللحن المستشري على بعض ألسنة معلّمي اللغة.

- عدم تذوّق الجمال الأدبيّ في النصوص التي تعالج وتدرّس.

- اعتبار اللغة العربيّة مادّة كسائر الموادّ.

   – إتباع نمط تقليديّ من الأسئلة.

   – عدم وجود عدالة في توزيع الأجوبة.
- عدم اختيار الوقت المناسب لطرح السؤال.

- الصياغة الغامضة للسؤال وتشعبه لمطالب كثيرة.
- قبول الإجابات باللغة العامية.

 – قبول الإجابات التي لاتكون على قدر السؤال.
- قبول الإجابات المبتورة .
- قبول الأجوبة الجماعية .
- عدم تنويع الأسئلة ممّا يجعل التلميذ يحجم عن الجواب.
- عدم مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ.
- الإلتزام بطريقة تدريس واحدة في جميع الدروس.
- الاعتقاد السائد أنّ العقاب هو الطريقة المثلى للمعالجة الخلل.

- عدم إعادة شرح الدرس غير المفهوم.
- حالات الغضب الدائمة عند بعض المعلّمين.
- عدم ترتيب اللوح وتنظيفه كليًا من النشاطات السابقة.
- التساهل مع التلاميذ وعدم ضبط الصفّ.
- طريقة التلقين والشرح المملّ.

- عدم التحضير والارتجال في الشرح.

- الانكفاء إلى الأساليب التقليديّة في التعليم.

- الرضى عن المستوى العلميّ والمهنيّ وعدم السعي لتطويرهما.
- عدم المحافظة على حقّ الأخوّة وسمعة الزمالة أمام التلاميذ.

- التفلّت من الأخلاق السامية مع جميع الفئات التي يتعاطى معها.

  هذا واقعُ عددٍ لا بأس به من معلّمي اللغة العربيّة اليوم،  مع الأسف الشديد….

 فعن أي معلّم نبحث؟ وما المرتجى في معلّم الغد، صانعِ مستقبلِ أبنائنا وحصنِ قلعةِ لغتِنا ؟؟؟

المحور الثاني: اللغة العربية في المناهج التعليميّة

المحاضر: الدكتور خليل عبدالله عجينة

 المقدّمة

    إنّ الحديث عن المناهج يعني الحديث عن جوهر العمليّة التعليميّة؛ ذلك لأنّ المنهج يعدّ منظومة متكاملة تتكوّن من مكوّنين أساسيين هما:

1- مدخلات المنهج وهي المعلّم والمتعلّم والأهداف والمحتوى والطرائق والأنشطة وأساليب التقويم.

2- مخرجات المنهج وهي المعلومات والمعارف والمهارات والقيم التي اكتسبها المتعلّم.

 ولا تتحقّق هذه المخرجات إن لم يكن ثمّة رابط وثيق وتفاعل حيويّ بين كلّ من المعلّم وما لديه من معارف وما يستعمل من طرائق وأساليب ووسائل وعلاقات إنسانيّة وما يبتكر من أنشطة ويستعمل من أساليب تقويم والمتعلّم وما يقوم به من نشاط وتفاعل مع معلّمه وزملائه ومع مصادر التعليم المتوافرة في المدرسة.

     وإنّنا نحتاج إلى أن نقف وقفة متأنيّة على المنهج بوصفه منظومة متكاملة كي ندرك مواطن القوّة ، ومواطن الضعف في مكوّناته، والتحدّيات التي تواجهنا في تعليم اللغة العربية صاحبة الجلالة ، والفرص التي يمكن أن نستغلّها حتى نرقى في رسالتنا ونحن نخدم اللغة العربيّة الأبيّة.

  انطلاقاً من هذه المقدّمة سأركّز كلامي على مدخلات منهج اللغة العربيّة في الحلقة الثالثة والمرحلة الثانويّة بصورة سريعة ومختصرة لضيق الوقت مثيرا التساؤلات والهواجس التي تعصف بنا جميعاً ساعياً إلى أن أفتّح بعض النوافذ التي أدعو أن نستشرف منها مستقبلاً جديداً في تعليم اللغة العربيّة عابقاً بصورة العربيّة الزاهرة ، صادعاً بأصواتها التي أبت إلا أن تترك صداها مشعّاً عبر التاريخ.

  على أمل أن تكون ورش العمل التي سنعقد في هذا الملتقى فاتحة خير وخطوة خضراء في تعليم العربيّة.

أوّلاً: الأهداف

    إنّ اللغة هويّة وأداة تعبير واتّصال، لذا كان لا بدّ أن تلحظ أهداف تعليمها هذين العنصرين الأساسيين.

     إنّ المطّلع على أهداف تعليم اللّغة العربيّة في مناهجنا لا يلحظ أنّها عُنيت بجانب الهوّية والانتماء، بل إنّها تُجمل في هدف أساسي هو”أن يُصبح المتعلّم قادراً على التعبير عن مشاعره وأفكاره تعبيراً سليماً يُراعي قواعد اللّغة العربيّة الصرفيّة والنحويّة وخصائصها البلاغيّة”، ولكنّنا جميعاً نُجمع على أنَّ هذا الهدف الكبير ما زال بعيد المنال، ولعلّ ذلك كلّه يعود إلى خلل واضح في مناهج تعليم اللّغة العربيّة في مدارسنا من حيث الأهداف والمحتوى وطرائق التدريس والتقويم، وقبل هذا كلّه جهل كثير من المعلّمين الهدف الأساسيّ من تعليم اللّغة، وضعفهم في امتلاك المادّة، وفقرهم في طرائق تدريسها وأسس تقويم المتعلّمين.

    هناك فرق كبير بين تدريس اللّغة لهدف استعمالها في التواصل الشفويّ والكتابيّ وفق خصائصها الصوتيّة وقواعدها الصرفيّة والنحويّة والبلاغيّة الصحيحة، وتدريس اللّغة لهدف معرفة خصائصها الصوتيّة وقواعدها الصرفيّة والنحويّة والبلاغيّة لذاتها.

ولا شكَّ في أنَّ هذا الهدف “يمثّل بعداً واحداً من القدرة يُعالج فيها المتعلّم الظواهر السطحيّة للّغة خارج السياق الاتصاليّ المباشر، وهذا ما يؤديه من التدريبات والاختبارات داخل قاعة الصّفّ فيكون عمل المعلّم قائماً على ما يجب أن يعرفه المتعلّم عن قواعد اللّغة وأشكالها وخصائصها وغير ذلك من المعارف النظريّة.

وأمّا الهدف الأوّل فيُمثّل قدرة المتعلّم على استعمال اللّغة كأداة تواصل واتّصال داخل المجتمع، ويمكن أن نُطلق على هذه القدرة اسم “القدرة التواصليّة” أو “القدرة الاتصاليّة”؛ فيكون عمل المعلّم قائماً على ما يجب أن يعرفه المتعلّم من أجل الاتصال باللّغة لمختلف الأغراض والوظائف.

وممّا لا شكّ فيه أنَّنا جميعاً عندما نعي جوهر الهدف من تعليم اللّغة العربيّة ندرك تماماً أنَّنا بحاجة إلى أن ندرسّها تحت سقف الهدف الأوّل وفي الوقت نفسه يجب أن نزرع  في المتعلّم بذور حبّ اللغة العربيّة لغة الهويّة والكيان والانتماء . وهنا نأتي إلى الحديث عن المحتوى وطرائق التدريس.

ثانياً: المحتوى

    وهو كلّ ما له علاقة بالمادّة التي يدرسها المتعلّم من محاور ونصوص وأغراض شعريّة وفنون أدبيّة وموضوعات صرفيّة ونحويّة وبلاغيّة وغير ذلك ، ولاشكّ أنّ المتأمّل في محتوى هذا المحتوى يجد أنّه قد فُرّغ أيّما تفريغ من روح العربيّة في الإبداع وشجاعتها في التعبير وقوّتها في مجاراة مقضيات العصر وموقفها من القضايا الفكريّة والإنسانيّة.

 فأين النظام الصوتيّ في مقرّراتنا؟ والتدريبُ على مخارج العربيّة التي تخجل أمامها اللغاتُ الأخرى؟ بل أين الحديث عن خصائص هذا النظام الصوتيّ المعجز وما فيه من إدغام وإبدال وتنغيم مُطرب وصفات تزيد مروءة المتكلّم وفصاحة المتحدّث؟

أين الموضوعات والنصوص التي تنمي حسّ الانتماء وتثبت مفهوم الهويّة وتعزّز ثقة المتعلّم بلغته؟

أين الشعر المعاصر الذي يربط المتعلّم بعصره ويهذّب ذوقه الفنيّ وجماله الروحيّ؟

وأين أعلام العربيّة من شعراء وأدباء ومفكّرين وعلماء؟ يتخرّج المتعلّم من المدرسة بل من الجامعة وهو لا يعرف شيئاً عن أبطال استطاعوا أن يعبّروا باللسان العربي المبين عن خلجات النفس وونبضات الوجدان وشعاع الفكر وحقائق العلم وقضايا الأمّة وخفايا الكون وروح الإنسانيّة؟

هل يتعلّم الطالب النحو والصرف والبلاغة أو يتعلّم عن النحو والصرف والبلاغة قواعد جامدة لا يحسن استعمالها وتوظيفها؟

نرهق أنفسنا ونضجّر المتعلّمين ونحن ندرّبهم على تقنيّات في تحليل أسئلة دراسة النصّ أُسقطت على اللغة العربيّة إسقاطاً “أبله” ونمضي السنوات مشغولين بها لأنّ الامتحان الرسميّ قد قدّسها وجعلها قبلة وطلب إلينا أن نوليَ وجوهنا شطرها فانشغلنا بها عن تعليم اللغة.

هذا المحتوى ألا يمكننا تعديله بما يتناسب مع إيماننا بالقضيّة التي نحمل من تعليم العربيّة؟ فنزيد فيه موضوعات وقضايا وفنوناً أدبيّة وأغراضاً شعريّة بما لا يتعارض مع الأهداف العامّة التي وضعت له؟ صدقوني نستطيع شرط أن نكون مؤمنين بقضيّتنا واثقين بقدراتنا مبدعين في طرحنا.

ثالثاً: طرائق التدريس

 وأمّا طرائق تدريس اللغة العربيّة فتحتاج إلى مؤتمرات خاصّة حتى تنزلها المنزلة التي تنبغي لها، لأنّنا حصرنا أنفسنا بالكتاب والدفتر واللوح، وحبسنا أنفسنا في قاعة الصف ، وعزلنا أنفسنا ونحن ندرّس اللغة العربيّة عن العالم الخارجيّ واعتقدنا أنّ استعمال شاشات العرض المكبّرة والصورة المتحرّكة والتكنولوجيا البصريّة وسائل تعزّز اللغة .

فهل للمنبر دور في صفّنا أو لا نعرف قدره؟

وهل للمسرح حضور في عملنا أو أغفلناه؟

وهل للاتصال اللغوي المباشر سماعاً وتكلّماً وجود جوهريّ في مسيرتنا أو صوريّ؟

وهل نبدع في التدريبات اللغويّة التي تعزّز الكتابة وتثير الإبداع أو نكتفي بتمارين الكتاب الرتيبة؟

وما حظّ الأنشطة والمسابقات التي تكتشف المواهب وتهذّب اللسان وتصقل الجمال وتجعل المتعلّم أحد عشّاق اللغة العربيّة؟

لا شكّ أنّ الخروج على المألوف والتفكير خارج الصندوق بالطرائق والوسائل التي ينبغي لنا أن نستعملها في تدريس هذه اللغة الحيّة من شأنه أن يسهم في تحقيق أهدافنا ويضيف إليها قيمة جديدة.

رابعاً: أسلوب التقويم

    لعلّه من المجحف بحقّ اللغة العربيّة أن يقتصر أسلوبنا في تقييم أعمال المتعلّمين على الاختبارات الكتابيّة التي تقيس مهارة واحدة من المهارات اللغويّة وهي مهارة الكتابة فحسب، ولعلّ نظام التقييم كلّه يتأثّر كلّ التأثّر بالأهداف الأساسيّة التي نعمل في فلكها ونحن نعلّم العربيّة، فمتى أعدنا النظر في أهدافنا كي تخاطب المهارات اللغويّة الأربع ومتى عدّلنا في المحتوى الذي ندرّس ومتى أبدعنا في تقديم ذلك كلّه فسيتغيّر نظام التقييم وتصبح الاختبارات الخطيّة جزءًا منه وليست كلّه.

   ختاماً، إنّ مفهوم المنهج بوصفه منظومة متكاملة يقتضي منّا أن ننظر إليه نظرة شاملة فنعيد صياغة الأهداف، ونجتهد في المحتوى حتى يتوافق مع أهدافنا، ونبدع في طرائق التدريس ووسائله، وننوّع في أساليب التقييم، ونحرص على تأمين بيئة تعليميّة يستطيع المتعلّم أن يتفاعل معها فنرى نجاحنا في نجاحه.

     والله وليّ التوفيق والقادر عليه.

المحور الثالث: المتعلّم وتحدّيات العصر

المحاضر: د. أيمن أحمد رؤوف القادري

أيّها الحفل الكريم

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد

فيسرّني أن أتنسَّم رحيقَ الأصالةِ في وجوهِكم، وأنْ يشرق عليّ بـريقُ الانتماءِ في عيونِكم، وأنْ تنضحَ على أفيائي أفئدتُكم، وأنا الواقفُ بين أيديكم، أقرأُ كلماتٍ من وحيِ شجونِكم.

أحببتُ هذا الجزْءَ من البحث، لأنّ على كلّ معلِّم أن يبقى متعلِّمًا حتّى الرّمقِ الأخيرِ، كيما يجدِّد نفسَه، ويقلب التّربة الخصبةَ في أرضِ ذاتِه، ويفتح نوافذَ على غرفةِ أفقِهِ، تُجدِّد الهواءَ فيها، وبذلك يتنفّس نقاءً لا تشوبه شائبة. إذًا، كلّ معلِّم يتفهّم هواجس المتعلِّم، يتفهّم هواجسَ ذاتِه. ومن هنا نبدأ.

وإنّ الـصّراعَ إذا تحرَّك في الإنسانِ نفخَ فيه العزم، وبعثَ روح المواجهة، وأيقظ كوامِنَ الـهمّة، وصوّب مسارَ الطّموح، لأنَّ الصّراعَ من فِطرةِ الإنسانِ، فقد قرّر ابن خَلدون (732ه/1332م- 808ه/1406م) أنّ العُدْوانَ طبيعيٌّ فيه، وأنّ اللهَ قد جعل للإنسان الفكرَ واليد لمواجهته[i]. أمّا المفكّر الفرنسيّ باسكال (1623-1662م) ، فقد رأى أن لا شيء يروقنا كمشاهدة الصراع Le Combat![ii]. وقال الأستاذ جان ماري بيليت رئيس المعهد الأوروبيّ لعلم البيئة: «ينبغي البدء بقبول النـِّزاع على أنّه واقع جوهريّ من وقائع الحياة، ثمّ تحمُّلُ مسؤوليَّتِه…»[iii]. وقال فلاديمير لينين (1870-1924) إنّ التّطور هو نضال المتضادّات[iv].

والصّراع يقتضي نشوء الـتّحدّي، ولذلك ارتبط التّحدّي في معاجِمِ اللّغة نفسِها بمفردات القصْدِ والمنازعة. نقل ابن منظور ‏(630 هـ/1232م – 711 هـ/1311م) في لسان العرب عن ابن سيده (398هـ/1007م- 458هـ/ 1066م): “وتحَدَّى الرَّجُلَ تعمَّدَه، وتَحَدَّاه: باراه ونَازَعه الغَلَبَةَ”[v].

ومع أنّ الــتّحدّيَ طبيعيّ ومألوف، أجدُني لا أرى للوهلة الأولى أنّ من المألوف وجودَ تحدّياتٍ وعراقيلَ معاصرةٍ في وجه المتعلّم حين نتحدّث عن تعلّم اللّغة العربيّة! لكنّ الماءَ كذّب الـغطّاس!

نعم، قد يكون من الغريب أن نتحدّث عن هذه التّحدّيات، والمتعلِّم نشأ على الحرف العربيّ نطقًا وسماعًا وكتابةً، وتلقّى أوائل علومه اللّغويّة في روضاتٍ تعتمد الكتب المشوّقة والأغانيَ الموجّهة والملصقاتِ الجداريّة، وما زالت وسائلُ المعرفة اللّغويّة والأدبيّة تُقدَّمُ إليه على طبق من ذهب، مهما ارتفع سعر الذَّهب في الأسواق العالميّة أو انخفض! فالفضائيّات العربيّة تحوي برامج تعليميّة وافرة[vi]، وأفلامًا تاريخيّة ناطقة بالفصحى، ثمّ إنّ المواقع الإلكترونيّة في الشّابكة تضمّ عشرات برامج التّرجمة، ووسائل التّطبيق اللّغويّ، والامتحانات المصحوبة بإجاباتها، وعلاوة على ما سبق نجد الحواسيب والهواتف قادرة على البرمجة باللّغة العربيّة، حتّى يبقى المتعلّم محافظًا على مسيرة التّطوّر وأصالة التّراث والانتماء.

لكنّ الـماء كذّب الغطّاس كما أسلفنا! وإذا بحساب الحقلِ يخالِف حساب البيدر!

ولأنَّ اليأس قاتل، نرغب اليومَ أن نقتل هذا القاتل، وأن نؤسِّس لعمل متكامل متواصل، نجتمع تحت مظلّته في اللّظى والأصائل، حتّى لا يكذّب الغطّاسَ الماءُ ولا أيُّ سائل.

وها هي جملة من تحدّيات العصر أمام المتعلّم لمادّة اللّغة العربيّة في المدارس:

1-  وظيــفيّة اللّغة

إنّ المتعلّم ينظر إلى اللّغة العربيّة نظرة وظيفيّة بحتة، لا نلومه عليها.

يسألنا المتعلِّم المبدع نفسُه: ماذا ينفعني العروض إذا صرتُ طبيبًا؟ وكيف أستفيد من الإسناد إذا صرتُ مهندسًا؟ ولماذا “المفعول معه” في قاعات المحكمة حين أترافعُ محاميًا؟

أمّا غير المبدِعِ في اللّغة العربيّة فلا يتوقّع أن يحتاج إلى اللّغة العربيّة، إلّا بحدود كونها لهجة عامّيّة يخاطب بها مَن حولَه، وأقول “يخاطب”، لأنّه في التّواصل الكتابيّ يستعمل لغة أجنبيّة، أو يكتب لغة هجينة عامّــــيّة بحروف وأرقام أجنبيّة.

ومـمّا ساق المتعلّم إلى ذلك أنّ الجامعات العلميّة الّتي تستقطب اهتمام معظم المتعلّمين الثّانويين لا تدرّس موادّها بالعربيّة. والمتعلِّمُ غير معنيّ أن يرى الجامعات القليلة الّتي لم تصبْــها هلْوسَةُ الـعولـمة، ولَــم تقع في فخّ الانبهار بلغة الغرب. وهنا أشير إلى أنّ الكلية الإنجيليّة السّوريّة في بيروت (وهي الّتي تعرف اليوم باسم الجامعة الأمريكيّة) تأسّست عام 1866م، واعتُمدت العربيّة لغة التّدريس في كلِّيّتي الطّبّ والصّيدلة فيها، ولكنّها أُقصيت عنهما سنة 1884م، وحلَّت الإنجليزيّة، مع أنّ منظمة “اليونسكو” قد أوصت باستخدام اللّغة الوطنيّة في التّعليم إلى أقصى مرحلة ممكنة.

وهذا المتعلّم يرى أيضًا- أو يتوهَّم- أنّ أصحاب المهن المرموقة لا يتطرّقون إلى اللّغة العربيّة في مكاتبهم وأوراقهم وفي كثير من خطابهم، ما لم يحدِّثوا الفئات الجاهلة بالإنجليزيّة، لغة العصر! والمتعلّم يرى أخاه الأكبر، يقدِّم طلب الانتساب باللّغة الإنجليزيّة، إلى جامعة ناطقة باللّغة العربيّة، ويرى أخته الكبرى تعدّ سيرتها الذّاتيّة باللّغة الإنجليزيّة، وتتابع في صفحة الإعلانات بالجريدة المهن المتاحة، وهي تردّد على مسامعه العبارة المألوفة في لائحة الشّروط الأساسّية “إجادة اللّغة الإنجليزيّة”!

 ولعلّ المتعلِّم يلاحظ أيضًا أنّ السّياسيّين المتنازِعينَ في المناظرات الإعلاميّة لا يلتفتون إلى الفصحى أدنى التفاتةٍ، رغم أنّها تضمّ حقلًا معجميًّا لا بأس به، للشّتائم والإهانات، وإذا أقام أحدهم مؤتمرًا صحافيًّا إثْر زيارة لدولة غربيّة، رأيتَ حروفه الإنجليزيّة المصابةَ بالرّضوض وآلام المفاصل تصرّ على الخروج من فمه. فكأنّ اللّغة العربيّة هي الخصمُ الوحيدُ الّذي يوحِّد كلّ السّياسيين العرب عبر إطلالاتهم الظّريفة!!

لكنّ الـتّحدّي الّذي يواجه المتعلِّم يقتضي أن يغوص في أعماق اللّغة، إذ قد تكون هي بوّابة المجد، لا ما يخطّط هو له.

فمن الأطبّاء الّذين اختطفهم الأدب: الشّاعر المصريّ إبراهيم ناجي (1898-1953) صاحب قصيدة الأطلال الّتي هتفت بها أمّ كلثوم، وقد سئل عن كيفيّة جمعه بين الطّبّ والشّعر، فقال:‏

النّاس تسأل.. والهواجس جمّة‏
الشّعر مرحمة النّفوس وسره‏
‏والطّبّ مرحمة الجسوم ونبعه‏

 

 

طبٌّ وشعر كيف يتفقان؟‏
هبة السّماء ومنحة الدّيّان
من ذلك الفيض العليّ الشّان‏[vii]

 

ومنهم الشّاعر السّوري الحمويّ: وجيه البارودي (1906م – 1996م)، الّذي قال:‏

أتيت إلى الدّنيا طبيبًا وشاعرًا‏

 

 

أداوي بطبّي الجسمَ، والرّوحَ بالشِّعر‏[viii]

 

ولقد أعدّ أمير محمد نبيل برنامجه الثّقافيّ “أطبّاء لكن أدباء”، ثمّ أخرجه رضا الجبري، وعملتْ على إنتاجه إذاعة البرنامج الثّقافيّ من القاهرة.[ix]، وأمثال هذه البرامجِ ينبغي أن يعرفها طلّابنا.

وفي 22 نيسان 2008، افتتح بقاعة الدّكتور سامي الدروبي بالمركز الثّقافيّ بحمص الملتقى الثّالث للأطبّاء الشّعراء، وكرَّمت نقابة الأطبّاء عددًا من الأطبّاء الشّعراء: الدّكتور المرحوم عبدو مسوح, والدّكتور مروان عرنوس, والدّكتور عبد المعطي دالاتي.[x]

وفي ملاءمة الشّعر للطّبّ، يقول الطّبيب الشّاعر الدّمشقيّ نزار بني المرجة: “لقد استطاع الشّعر أن يجعلني طبيبًا من نوع آخر, وبه صرت أتعامل مع مرضاي بنمط جديد, ولعلّ الشّعر قد أبعدني عن التّعامل المادّيّ مع مرضاي, وإن من فضائل ممارستي لمهنة الطّبّ عليّ كشاعر, أنّها تقربني من فهم الألم بمفهومه العضويّ, وإذا كان الشِّعر قد أتاح لي معرفة الألم الإنسانيّ بمفهومه الأعمّ والأشمل, فإنّ ممارسة مهنة الطب أتاحت لي اكتشاف العديد من النّماذج البشريّة الإنسانيّة المغمورة والقابلة أحيانًا لأن تكون محرِّضًا للعمل الشّعريّ”.‏

ومن الـمحامين الّذين اختطفهم الأدب: الشّاعر السّوريّ نزار قباني (1923- 1998م)، وهل ننسى الشّاعر السّوريّ أيضًا عمر أبو ريشة (19101990) الّذي أرسله والده إلى إنجلترا عام (1930م)، ليدرس الكيمياء الصّناعيّة في جامعة مانشستر؟

أمّا السّياسيّون المتمسّكون باللّغة العربيّة فلهم شأن آخر، ولا سيّما أنّ فيهم من ليس عربيّا!

فقد ذكر موقع “قصّة الإسلام” أسماء سياسيّين غربيّين كثر يتقنون العربيّة أيّما إتقان، منهم السّفير الفرنسيّ بتونس، بوريس بوالون، وكذلك نائب وزير خارجيّة الصّين دجاي جون.[xi] وذكر موقع “هسبرس” أنّه في يوم اللّغة العربيّة العالميّ في 18 كانون الأول سنة 2013م، فاجأ السَّفير الرّوسيّ الحاضرين، متحدثًا بلغة عربيّة فصيحة، حيث أعرب عن استغرابه حين طلب منه مسؤولون مغاربة الحديث باللّغة الفرنسيّة[xii].

الـتّحدّي أيها المتعلِّم يكمن في السّؤال الـتّالي: أين تجد نفسك؟؟؟ أما زلتَ مصرًّا أن تنسلخ عن هويّتك، بينما يعتزّ بها الغريب؟؟؟

وللمتعلِّم أيضًا أن يعرف أن وظيفة اللّغة لا تقتصر على صوغ الكلام المعبِّر عن الفائدة. إنّ اللّغة فنّ راقٍ ينتزع الاحتقان المعتمل في أرجاء ذاتك، ويفرّج عن مكبوتاتك، ويُجهِز على الضّيق المطبق على صدرك، فأخبرني بالله عليك: هل تملك أيّ مادة علميّة أن تحتوي انفعالاتك؟ هل تملك اللّغة الّتي لم تصادق وجدانك، أن تعبّر عن وجدانك!!؟؟

2- سلخ اللّغة العربيّة عن حضارة الأمّة

والتّحدّي الـمتولّد من سابقه أنَّ المتعلِّم ينسلخُ في ثقافته عن معدِن أمّته وهويّتها، انسلاخًا تدريجيًّا لا يشعر به. يقول الدّكتور «هاني مرتضى»: «الطّالب الّذي يتلقّى علومه بلغة غير لغته الأمّ يُصاغ فكرًا وثقافة من خلال هذه اللّغة الغريبة»[xiii]. ويقول أيضًا: «… نعني بالثّقافة مجموعة العوامل الحضاريّة، الّتي تضمّ المعارف والمعتقدات والأخلاق والعادات المكتسبة، ويوم تكون لغة العلم غير لغة الثّقافة تُصاب الأمّة بفصام فكريّ، كهذا الذي يُلاحظ في بعض المجتمعات، وفي فئة من أبناء بعض خريجي الجامعات»[xiv].

ويقول العالم الإنكليزيّ مايكل ويست: «إنّ إدخال اللّغة الأجنبيّة في المراحل المبكرة من التّعليم يزعزع ثقة الأطفال بلغتهم، ويجعلهم يعتادون بعض المفاهيم الأجنبيّة منذ الصِّغر، وقد يؤثر ذلك على ولاء الطِّفل لدينه ولغته وثقافته».[xv]

ولعلّ الاختصاصيّة الاجتماعيّة غادة سيف من القلائل الّذين تنبهوا إلى علاقة تعليم اللّغة الأجنبيّة بالهجرة، هجرة الأدمغة على وجه التّحديد، تقول: «… الطِّفل الَّذي لا يتحدَّث العربيّة ويعيش في دولة عربيّة يعتبر فاقدًا لهويته وأصوله وجذوره، كما أنه سيجد صعوبةً في التّكيّف الاجتماعيّ. ومعلوم أن عددًا من هؤلاء الأطفال عندما يكبرون، يفكرون في الهجرة وترك أوطانهم، فاللّغة إلى جانب كونها وسيلة اتصال بين الأفراد، تعتبر سلوكًا عقليًّا وحركيًّا واجتماعيًّا وانفعاليًّا في آن.»[xvi]

ونستغرب كيف أنّ المنهج الجديد سلخ الأدب عن سياقه التّاريخي، أو لنقل إنّ الصِّلة باتت واهية، لا تنهض بالغرض المطلوب: سواءٌ أكان ربْطَ الطَّالب بأصالة ماضيه، أم غرْسَ معاني الانتماء في ذهنه!

نعم، برز بعض الدِّراسات المستفيضة للجاحظ والأخطل الصغير ونجيب محفوظ وتوفيق يوسف عوَّاد، علاوة على دراسة فنّ القصّة في نشأتها وتطوّرها عبر العُصور، في كتاب الأدب العربيّ، للسنة الثّانية، فرع الإنسانيّات، وبرزَ بعضُ الدِّراسات المستفيضة للمتنبّي وجبران خليل جبران، في كتاب الأدب العربيّ، للسّنة الثّالثة، فرع الآداب والإنسانيّات، علاوة على دراسة فنّ المسرحية في نشأتها وتطوّرها عبر العُصور.

لكنّ هذا قليل إزاء الإهمال المستشري في سائر النّصوص والأعلام.

والغريب أنّ المنهج لم يسلك هذا المسلك في دراسة الأعمال الغربيّة، الّتي أدرجها في كلّ سنة، ضمن ما سمَّاه بالآداب العالميّة، فقد أسهب في دراسة الخلفيّات التّاريخيّة، لأعمال تولستوي (مصنِّف أنا كارنينا)، وسرفانتس (مصنِّف دون كيخوت)، وغوته (مصنِّف آلام فارتر)، وطاغور (مصنِّف جنى الثِّمار)، وكأنّ المطلوب إحاطة القارئ بتاريخ الأمم الغربيّة، في مادّة الأدب العربيّ!

إنّه تحدٍّ صارخ بكلّ المقاييس، إنّ الـمتعلِّم يعيش في صراعٍ بين ما يسمعه في بيئته من دعواتٍ إلى الالتصاق بالتّراث والأصالة، وما يجده في كثير من نصوص العربيّة!

3- ضعف وسائل تعليم اللّغة

وسائل تعليم اللّغة العربيّة وآدابها تفتقر إلى مرئيّات ناطقة باللّغة الفصيحة، إلّا إذا شاء المتعلِّم مشاهدة فيلم تاريخيّ تراثيّ، أو شريط علميّ وثائقيّ، وكلا الـنّوعين لا يصبّ مباشرة في خدمةِ المحاورِ الّتي في كتبه، ولا يوجِد لديه الـتّشويق والتّسلية الهادفين. نحن بحاجة إلى سلسلة ضخمة من الإنتاج السّينمائيّ العربيّ لكبار المتعلّمين، توازي الإنتاج الّذي يتوجّه إلى الأطفال، عبر الرّسوم المتحرِّكة الـنّاطقة باللّغة الفصيحة، أو المدبلجة.

ليست كتب التّعليم المعدّة للحلقة الثّالثة ولا تلك المعدّة للمرحلة الثّانوية في لبنانَ مصحوبةً بمرئيّات تساعد المتعلّم على الاندماج في العمليّة التّعلّميّة. حتّى الصّوتيات في هذه المرحلة العمريّة لا تلقي لها دور النّشر التّربوية بالًا، وغاية ما في الأمر جهود محدودة، كالّتي قام بها د. سلطان ناصر الدين، عبر سلسلة “نصوص مسموعة”.

لا بدّ من إيلاء المرئيّات التّربوية اهتمامًا واسعًا، وفي هذا الإطار نستدلّ بقول الأديب والنّاقد السّوري زهير غانم (1949-2010) إِنّنا نعيش ثقافة الصّورة، فهذا واقع لا يمكن إنكاره، وهذا ما أفرزته العولمة، وثورة المعلوماتيّة. وهو يؤكّد أنّ البصر هو الجسر الأرقى للنّفس في نقل مؤثّرات العالم وامتصاصه في عالم الضّوء، بل عالم العتمة، بل عالم الخيال الّذي غزته السّينما، وعالم الأحلام والخيال العلميّ. وكأنّ الأدب أو عالم الكلمة أزيح عن عرشه في الثّقافة، لصالح الصّورة، تلك الصّورة الومض الّتي يستوعبها الإنسان بسرعة… لكنّه ينساها بسرعة! [xvii]

ولئن قصّرت دار النّشر، أو قصَّر الـمعلِّم، فإنَّ الـمتعلِّم لا ينبغي أن يعفي نفسه من المسؤوليّة، وهو الّذي يقضي ساعات طويلةً يسـتقي من “يوتيوب” الأغانيَ واللَّقَطات المضحكة. إنّ الـتّحدّي الكبير أن يجعل شطرًا من وقتِه لإنـزال أفلام هادفة وممتعة باللّغة العربيّة الفصيحة، وأن يشاركها زملاءَه عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ. وإذا كان المتعلِّم في السنّ الّتي نتحدّث عنها قادرًا على صنع الأفلام بنفسه، بتقنية (windows movie maker)، فلماذا لا يتحدّى عصرَهُ الممعن في التَّغريب، عبر إنتاج فيلم باللّغة الفصيحة مع زملائه!؟

4- أولياء الأمور الـمـثبِّطون للعزائم!!

ومن الـتّحدّياتِ أنّ بعضَ أولياء أمور المتعلِّمين سبقوا أولادهم في البرودة اللّغويّة، ودخلوا ثلّاجةَ القطب الشّماليّ. إنّهم لا يشجّعون أولادهم على الـتّفوّق في اللّغة العربيّة، في حين أنّ أحدهم قد يفاخرُ الأقارب والجيران بأنّ طفلَهُ بدأ يغرِّد بكلمات أجنبية، ولو كانتْ شتائم! وقديمًا قال الشاعر: “ومَن يشابِهْ أبَهُ فـما ظلَمْ”[xviii]، وقال كذلك ابو العلاء المعرّي (363ﻫ/973م- 449ﻫ/1057م):

وينشأ ناشئ الفِتْيَانِ منّا       على ما كان عوَّدَهُ أبوهُ[xix]

وهم لا يكلِّفون أنفسَهم البحث عن مدرِّس خصوصيّ لـمن يرسب منهم فيها، وأنتَ تجدُ في حالات متكرِّرة أنّ من يعين المتعلِّم في البيت على إنجاز وظائفه في اللّغة العربيّة والدتُه الّتي تركت المدرسة منذ عشرين عامًا، دون أن تبلغ الصّفّ السّادس!

قال الأستاذ إلياس مطر في “المجلّة التّربوية” الصادرة عن المركز التّربوي:

“من مسؤولية أولياء الأمر أن يبيّنوا لأولادهم أهمية اللّغة العربيّة ودورها في بناء شخصيتهم الثّقافية وأثرها في مستقبلهم العمليّ بدلًا من الاستخفاف بهذه اللّغة وذمّها والاستعاضة عنها بلغة أجنبيّة، بل من مسؤوليتَّهم أن يقرؤوها مع أولادهم ويتحاوروا بها، ولا يحقّ لهم بحال من الأحوال أن يصفوها بالدّونيّة كما يحصل في أحيان كثيرة. فاكتساب اللّغة الأمّ فضيلة وطنيّة وقوميّة وقيمة أولى تضاهي قيمة التّمكّن من لغة أجنبيّة أو أكثر، وبروز الكتاب العربيّ في المكتبة المنزليّة يقف على قدم المساواة مع بروز الكتاب الأجنبيّ فيها، فالعين الّتي تتعوّد الرّؤية تغري اليد بتناول الكتاب وتصفحّه وقراءته”.[xx]

وفي الـمقلب الآخر، نجد أولياء أمورٍ ذوي نضج ووعي:

فقد ورد في موقع “بوابة فيتو” الخبر التّالي بتاريخ الأربعاء 25 يونيو2014:

“انتقد عدد من أولياء أمور المدرسة النّموذجيّة للصّداقة المصريّة الصّينيّة بأكتوبر، إهمال إدارة المدرسة لتدريس اللّغة العربيّة، واعتبارها لغة عاديّة وغير ذات أهمية. وقال أحد أولياء الأمور، رفض ذكر اسمه، أنّه في الفترة الأخيرة تكاثرت المدارس التّابعة لمنظمات أجنبيّة، وهدفها الأساسيّ هو تدمير الطّلّاب بشكل غير مباشر، وتكوين فكرة عند الطّلّاب بأنّ اللّغة العربيّة غير مهمّة، وإتقانها غير مجد. وطالب الشّاكون وزير التّربية والتّعليم الدّكتور محمود أبو النّصر الاهتمام بمنظومة التّعليم، والتَّركيز على تدريس مادة اللّغة العربيّة في كافّة المدارس على أرض مصر.”[xxi]

وبعيدًا من مصر، وتحديدًا في نيويورك نقرأ الخبر التّالي:

تبدأ مدرسة هاملتون هايتس، وهي مدرسة ابتدائيّة حكوميّة ، في حي “هارلم” الشّهير في مدينة نيويورك، تجربة لتعليم الأطفال اللّغة العربيّة أثناء استراحة فترة الغداء اليوميّة، ذلك إذا رغب أولياء الأمور في استغلال هذه الفرصة السّانحة لأطفالهم. ومن جانبه، قال محمّد ممدوح، وهو مدرِّس للّغة العربيّة “هذه المبادرة من قبل هذه المدرسة تمّت بتشجيع وتمويل عربيّ. وقد رحّبت الحكومة المحليّة بهذه المبادرة من خلال مفوّضة شؤون المهاجرين الَّتي تنحدر نفسها من جذور عربيّة. وفي هذا الصّدد قالت فاطمة شمّا، مفوّضة شؤون اللّاجئين في الحكومة المحلّيّة لمدينة نيويورك: “ما نفعله كلّ يوم في مدينتنا هو إعداد أطفالنا لا لدخول الجامعات والتّخرج وحسب، بل لكي يصبحوا جزءًا من المجتمع الدّوليّ الّذي نحن جزء منه”.[xxii]

ولـعلّ مـفتاح الحلّ لإحداث تغـيير، يكمن في اجتذاب أولياء الأمور أنفسِهم إلى هذه اللّغة، وتقريبها إلى أفئدتهم، بـوسائل عمليّة. وفي ذلك نقرأ ما ذكره موقع “الرّؤية” الإلكترونيّ في 25 شباط 2013:

ومن اللّافت مبادرة مجموعة «جيمس للتَّعليم» في محاولة دمج أولياء الأمور في اللّغة العربيّة، في هذا السِّياق أوضحت المستشارة الأولى في هذه المجموعة ميسون الدّويري: أثمرت الفكرة استحداث ورش عمل يشارك فيها أولياء الأمور، وتجرى على مرحلتين: الأولى تعليم أولياء الأمور كيفيّة تدريس أطفالهم اللّغة العربيّة، ثمّ تعليمهم هم اللّغة العربيّة ومشاركة أولادهم المذاكرة، وبذلك يتمّ كسر حاجز صعوبتها.

وتشرح الدّويري تطبيق ذلك بأنّه تتمّ مشاركة أولياء الأمور في حصص مع أبنائهم في الصّفّ، للاطِّلاع على الأساليب التّعليمية من قبل المعلِّم، إذ تلتزم «جيمس للتّعليم» المعايير الدّوليّة لتدريس اللّغة العربيّة، إذا كانت المدرسة تَــــــتَّبع منهاجًا دوليًّا لغير العرب، وتنفيذ منهاج الوزارة بالنسبة إلى العرب.

وأفادت الدّويري بأنَّ التَّجاوب من أولياء الأمور الأجانب كان ملحوظًا، وذلك لمعرفة ماهيّة اللّغة العربيّة، خاصة أنَّهم يقطنون في مجتمع عربيّ، في حين وجدنا بعض أولياء الأمور العرب يتنصَّلون من تعليم أولادهم اللّغة العربيّة، ولا يهتمّون بها، ويجعلونها لغة ثانويّة، وليست اللّغة الأمّ [xxiii].

5-اللّغة العربيّة في الامتحانات الرّسميّة

ومن الـتّحدّيات أن المتعلِّم لا يملك بلوغ العلامة القصوى في اللّغة العربيّة، ولو تواصل عبر السكايب مع سيبويه، أو انضمّ إلى مجموعة واتساب يديرها الجاحظ، أو تلقّى رسائل هاتفيّة قصيرة ساعةَ امتحانِ الإنشاء من المنفلوطي نفسِه! في حين أنّه قادرٌ على بلوغ العلامة القُصوى في الرِّياضيّات والفيزياء والكيمياء والعلوم الطّبيعيّة!!

ومن التّحدّيات قساوة معايير التّصحيح في الامتحانات الرسميّة، وقد ظهر هذا بشكل فاقع في صيف 2013، بعد رسوب واحدٍ وأربعينَ ألف طالب، من أصل واحد وستِّين ألفًا، في مسابقة اللّغة العربيّة في البريفيه، وصرف معلمين بسبب النّتائج، فقامَ معلِّمون بتسليم رئيسة لجنة التَّربية النِّيابيّة السّيّدة بهيّة الحريري مذكِّرة تطالب بتعليق إصدار الشّهادات الرّسميّة، وتغيير لجنة التّصحيح. ومـمّا جاء في المذكّرة: “منذ سنوات ونحن نتألَّم من طريقة تصحيح مسابقة اللّغة العربيّة في الشّهادة المتوسّطة… “، وطالبوا بــــ”تطوير آليات العمل الَّتي بات يأكلها الغبار”. [xxiv] وورد في صحيفة النّهار نقلًا عن “لجنة أساتذة اللّغة العربيّة للشّهادة المتوسّطة في البقاع” المجتمعة في 27 آب 2013: “فـلماذا عمّم المقرّر على المصحّحين أنَّ علامة الخمسين لا توضع إلّا بعد موافقته؟ علمًا أنَّ العلامة الكاملة في اللّغة العربيّة هي ستّون، وهل صارت الخمسون سقفَ العلامة؟ وأين ذهبت العلامات المتبقِّية؟ ومن خوّل المقرّر، بعد الاتِّفاق على حسم ربع علامة عن كل خطأ في سؤال الضَّبْطِ، أن يطلب إلى المصحِّحين حسمَ نصف علامة عن كلِّ خطأ؟ إنَّـــنا نرى في هذه الطَّريقة السَّلبيّة في التَّعاطي مع عملية التَّصحيح استخفافًا بجهودنا وجهود مؤسَّساتنا وتلامذتنا”.

وأخيرًا… لا يسعنا إلّا أن نعدّ هذه الـكلماتِ شبيهةً بمحرِّك البحثِ في الشّابكة، فهي توصلنا وتوصلكم إلى عناوين الملفّات المطلوبة، وتبعث فينا الشّوق إلى التَّـــوغّل في الـتّفاصيل، وإلى ما هو أهمّ… إنّه البحث عن حلول عمليّة ميدانيّة، ذاتِ جاذبيّة ومرونة… فهل نحن فاعلون؟؟؟


1- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون: المقدّمة (مقدّمة كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). تحقيق: درويش الجويدي. المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت، ط 2، 1416ﻫ/1996م، ص46..

2- Pascal, Blaise: Œuvres completes. Bibliothèque de la pléiade, edittion 1954, p1138.

3- جان ماري بيليت: عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة. ترجمة: السيد محمد عثمان.  من سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أيلول، 1994م، ص 277. والكتاب مترجم .

4- عبده، غانم: نقض الاشتراكية الماركسية. دار النهضة الإسلامية، بيروت، ط 2، 1411ﻫ/ 1991م، ص75.

5- ابن منظور (محمد بن مكرم)، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، مصر، لا ط، لا ت،  مج10، ص808

7- راجع الرابط التالي:

http://www.sehha.com/world/index.php?showtopic=20802

8- راجع الرابط السابق نفسه.

9- راجع الرابط التالي:

https://archive.org/details/P2-SP-6bbAdb

11- انظر موقع قصة الإسلام في الرابط التالي:

http://forum.islamstory.com/20938-%DD%D5%C7%CD%C9-%D3%DD%ED%D1.html

12 – انظر الرابط التالي:

http://www.hespress.com/societe/249595.html

13- مقالة أعدتها قدس برس، منشورة في موقع إسلام أون لاين، عنوانها: سوريا: نجحنا في تدريس الطب بالعربيّة.

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1180421362151&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout

14- راجع الرابط السابق نفسه.

15- دراسة عنوانها: إفــــــــــــادة الأمهات والآباء ليستفيــــــــــد أطفالهـــــــم أو فلذاتهم ونبض حياتهـــــم.

http://vb.7lahm.com/t6103.html

16- راجع الرابط السابق نفسه.

17- زهير غانم، فضاء الصورة، بتصرّف، جريدة اللّواء، الصّفحة الثّقافيّة، 26-1-2007.

18- رؤبة بن العجّاج، الدّيوان، (مجموع أشعار العرب)، عناية وتصحيح: وليم بن الورد البروسي، دار ابن قتيبة، الكويت، لا ط، لا ت، ص182. والبيت في مدح عديّ بن حاتم.

19- المعري: لزوم ما لا يلزم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1406ﻫ/ 1986م، 2/421.

20- انظر الرابط التالي:

  http://www.crdp.org/ar/details-edumagazine/25488/10817

21- انظر الرابط التالي:

 http://www.vetogate.com/1087336

22- باختصار من موقع العربيّة:

http://www.alarabiya.net/articles/2012/05/24/216136.html

لا توجد أي تعليقات حاليا على هذا الموضوع.

أضف تعليقاً